أبي الفرج الأصفهاني
120
الأغاني
فقال : ضعها بين يديه . وقال لابن زبنج ، أثبت قيمتها . فكتب ذلك ، ووضعت العمامة بين يدي الأعرابيّ ، فكاد يدخل بعضه في بعض غيظا ، ولم يقدر على الكلام ، ثم قال : هات قلنسوتي ، فأخرج قلنسوة طويلة خلقة قد علاها الوسخ والدّهن وتخرّقت ، تساوي نصف درهم ، فقال : قوّم ، فقال : قلنسوة الأمر تعلو هامته / ويصلَّي فيها الصّلوات الخمس ، ويجلس للحكم ؛ ثلاثون دينارا . قال : أثبت ، فأثبت ذلك ، ووضعت القلنسوة بين يدي الأعرابيّ ، فتربّد وجهه وجحظت عيناه وهمّ بالوثوب ، ثم تماسك وهو متقلقل . ثم قال لأشعب : هات ما عندك ، فأخرج خفّين خلقين قد نقبا [ 1 ] وتقشّرا وتفتّقا ، فقال له : قوّم ، فقال : خفّا الأمير يطأ بهما الرّوضة ، ويعلو بهما منبر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ؛ / أربعون دينارا . فقال : ضعهما بين يديه فوضعهما . ثم قال للأعرابيّ : اضمم إليك متاعك ، وقال لبعض الأعوان : اذهب فخذ الجمل ، وقال لآخر : امض مع الأعرابيّ فاقبض منه ما بقي لنا عليه من ثمن المتاع وهو عشرون دينارا ، فوثب الأعرابيّ فأخذ القماش فضرب به وجوه القوم لا يألو في شدّة الرّمي به ، ثم قال له : أتدري أصلحك اللَّه من أي شيء أموت ؟ قال : لا ، قال : لم أدرك أباك عثمان فأشترك واللَّه في دمه إذ ولد مثلك ، ثم نهض مثل المجنون حتى أخذ برأس بعيره ، وضحك أبان حتى سقط وضحك كلّ من كان معه . وكان الأعرابيّ بعد ذلك إذا لقي أشعب يقول له : هلمّ إليّ يا بن الخبيثة حتى أكافئك على تقويمك المتاع يوم قوّم ، فيهرب أشعب منه . يخشى أن تحسده العجوز على خفة موته أخبرني جعفر بن قدامة ، قال : حدثنا أحمد بن الحارث ، عن المدائنيّ ، قال : حدّثني شيخ من أهل المدينة ، قال : كانت بالمدينة عجوز شديدة العين ، لا تنظر إلى شيء تستحسنه إلا عانته [ 2 ] ، فدخلت على أشعب وهو في الموت ، وهو يقول لبنته : يا بنيّة ، إذا متّ فلا تندبيني ، والناس يسمعونك ، فتقولين : وا أبتاه أندبك للصّوم والصّلوات ، وا أبتاه أندبك للفقه والقراءة ، فيكذّبك النّاس ويلعنوني . والتفت أشعب فرأى المرأة ، فغطَّى وجهه بكمّه وقال لها : يا فلانة باللَّه إن كنت استحسنت شيئا ممّا أنا فيه فصلَّي على النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لا تهلكيني . فغضبت المرأة وقالت : سخنت عينك [ 3 ] ، في أيّ شيء أنت مما يستحسن ! أنت في آخر رمق ! قال : قد علمت ولكن قلت لئلا تكوني / قد استحسنت خفّة الموت عليّ وسهولة النّزع ، فيشتدّ ما أنا فيه . وخرجت من عنده وهي تشتمه ، وضحك كلّ من كان حوله من كلامه ، ثم مات . أمثلة من طرائفه وطمعه أخبرني الحسن بن عليّ ، قال : حدّثنا أحمد بن أبي طاهر ، قال : حدّثنا أبو أيوب المدينيّ ، عن مصعب ، قال : لاعب أشعب رجلا بالنّرد ، فأشرف على أن يقمره إلا بضرب دويكَّين ، ووقع الفصّان في يد ملاعبه ، فأصابه
--> [ 1 ] نقبا : تخرقا . [ 2 ] عانته : حسدته . [ 3 ] سخنت عينك ، نقيض قرّت .